عبد الرحمن السهيلي

20

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

حديث الإفك ما فيه من الغريب : فيه من الغريب قول عائشة : والنساء يومئذ لم يهيجهن اللحم فيثقلن . التهييج : انتفاخ في الجسم قد يكون من سمن ، وقد يكون من آفة ، قال الأصمعي أو غيره : هجمت على حي من العرب بواد خصيب ، وإذا ألوانهم مصفرة ووجوههم مهيجة ، فقلت لهم : ما بالكم ؟ واديكم أخصب واد ، وأنتم لا تشبهون المخاصب ، فقال لي شيخ منهم : إن بلدنا ليست له ريح ، يريد : أن الجبال أحاطت به فلا تذهب الرياح وباءه ولا رمده . صفوان : وفيه ذكر صفوان بن المعطل بن ربيضة بن خزاعي بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم السلمي ، ثم الذكواني يكنى أبا عمرو ، وكان يكون على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من متاع المسلمين ، حتى يأتيهم به ، ولذلك تخلف في هذا الحديث الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا ، وقد روي في تخلفه سبب آخر ، وهو أنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس . ويشهد لصحة هذا حديث أبي داود أن امرأة صفوان اشتكت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت أشياء منها أنه لا يصلي الصبح ، فقال صفوان : يا رسول الله إني امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس ، فقال له النبي عليه السلام : فإذا استيقظت فصل وقد ضعف البزار حديث أبي داود هذا في مسنده . وقتل صفوان بن المعطل شهيداً في خلافة معاوية ، واندقت رجله يوم قتل ، فطاعن بها ، وهي منكسرة ، حتى مات ، وذلك بالجزيرة بموضع له شمطاط . معنى أسقطوا : وفيه من غير رواية ابن إسحاق أنهم دعوا الجارية ، فسألوها حتى أسقطوا لها به ، يريد : أفصحوا بالأمر ، ونقروا عنه ، يقال : ساقطته الحديث مساقطةً وأسقطوا به ، في هذا المعنى قال أبو حية النميري : إذا هنّ ساقطن الحديث كأنه * سقاط حصا المرجان من سلك ناظم كذا فسره أبو الحسن بن بطال ، وفيما ذكر ابن إسحاق من رواية الشيباني عنه ، أنهم أداروا الجارية على الحديث ، ولم يصرخوا لها حتى فطنت بما أرادوا ، فقالت : ما أعلم عليها عيباً ، الحديث . وأما ضرب علي للجارية وهي حرة ، ولم تستوجب ضرباً ، ولا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربها ، فأرى معناه أنه أغلظ لها بالقول ، وتوعدها بالضرب ، واتهمها أن تكون خانت الله ورسوله ، فكتمت من الحديث ما لا يسعها كتمه مع إدلاله ، وأنه كان أهل البيت ، وفي غير حديث ابن إسحاق قالت الجارية : والله ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر . بريرة : وأما بريرة فهي مولاة عائشة رضي الله عنها التي اشترتها من بني كاهل فأعتقتها ، وخيرت في زوجها ، وكان عبداً لبني جحش . هذه رواية أهل المدينة ، وفي رواية أهل العراق أنه كان حراً ، وهي رواية الأسود بن يزيد عن عائشة ، والأولى رواية عروة والقاسم بن محمد عن عائشة ، وكذلك يقولون بتخيير الأمة إذا عتقت ، وإن كان بعلها حراً ، وقول أهل الحجاز على حسب روايتهم ، فلا يرون تخييرها ، إلا إذا كان زوجها عبداً ، وعاشت بريرة حتى روى عنها الحديث بعض التابعين . قال عبد الملك بن مروان : كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر ، فتقول لي : يا أبا عبد الملك ، إن فيك خصالاً خليقةً بهذا الأمر ، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله في الدماء ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرجل ليحال بينه وبين الجنة بعد أن ينظر إليها بمحجمة دم أراقها من مسلم في غير حق . والبريرة واحدة البرير وهو ثمر الآراك .